موقع اهل البيت في ليبيا يعتني بالتسامح الديني والأخوّة الليبية

نعي الإمام الحسين عليه السلام في ليبيا

أهل البيت في ليبيا 

كنت في أواسط التسعينيات أدرس في ليبيا وفي مرة كنت أتمشى في منطقة في طرابلس اسمها جنزور قابلني رجل عراقي مع أسرته يدرس في ليبيا وسلم على بحرارة شديدة وقال: أنا أعرفك ومتأثر ببرامجك وقال إن أم علي (أي زوجته) اليوم عاملة طبخ للامام الحسين حيث كان يوم تسعة محرم وأثناء الحديث مر دكتور مصري مع عائلته وسلم علي لأنه زميلي في الجامعة الليبية ولذلك دعى الرجل العراقي الأخ المصري وعائلته لحضور جلسة الهريسة اليوم فوافقنا.

وفي المساء تجمعنا عند بيت العراقي وكان هناك مجموعة من الأساتذة العراقيين وعوائلهم وأثناء الطبخ والذي كان في حديقة المنزل تناولنا الحديث واستذكار حادثة الطف وطلبوا مني الحديث فتكلمت عن رحلة الحسين عليه السلام وبلاغته والظروف السياسية وأيضا تحدثت عن استشهاد الإمام الحسين بطريقة علمية ولكنها بعاطفة إنسانية لذلك بكت النساء من شدة الحزن لما أوردت من حوادث وقعت.

وفجأة قامت الأخت المصرية زوجة زميلنا ووقفت بين الجميع وهي تصرخ بهستيرية:معقولة ده يحصل لسيدنا الحسين ويقتل بالطريقة دِي وهي تحرك أطرافها حركات هستيرية من شدة الانفعال والحزن،ثم قام زوجها ومسكها خوفا من أن تسقط وحضنتها بناتها الصغيرات وهن يبكين ثم طوقت بالسيدات العراقيات وهن يبكين معها وبعد أن هدأت قالت لي نذر عليّ يا دكتور لعمل كل سنة استذكار وهريسة لسيدنا الحسين وأفرقها على روحه الطاهرة في السيدة [زينب] والحسين في مصر.

وبعد ذلك اكتملت الهريسة وطلبت من الجميع أن نصلي ركعتين لروح الإمام الحسين وانتهت مراسيم استذكار الطف بكل احترام وكانت جلسة علمية فيها المعلومة والموعظة وغيرها دون لطم أو نعي فإن الحديث كان مؤثرا جدا في الحضور ولكني نسيت هذه الحادثة لأني غادرت ليبيا للتدريس في تونس ومن هناك ذهبت بعدها لأوروبا ثم رجعت للعراق.

وفي عام 2009م أرسل لي أحد الاخوة المسؤولين في ليبيا دعوة لأني كنت قد أشرفت على رسالة الماجستير وكان متأثرا بي كثيرا ومحبا وبعدها أصبح مسؤولا كبيرا في ليبيا في حينها ولذلك ذهبت إلى الكلية التي كنت أدرس فيها وسألت عن الزملاء فقالوا غادروا منذ سنين لوطنهم وسألت عن الأخ المصري فقال أحد الأساتذة انه صديقي وعندي هاتفه فاتصلت به فى مصر ولم يصدق الاتصال وسألت عن الأخت أم محمد زوجته فقال تعيش انتَ ولكنها ظلت حتى وفاتها تدعو لك بالخير وللعراق كلما سمعت أخبار الحرب في العراق وقال:كانت كل عاشوراء تعمل هريسة وتفرقها على المساكين في مسجد الحسين في القاهرة وكانت تجمع اخواتها وتحكي لهم عن استشهاد سيدنا الحسين زي ما أنت حكيت وبعدها تقوم تصلي لسيدنا الحسين وظلت كل ما تواجهها حاجة تقول بـ بركات سيدنا الحسين.

وهنا طلبت أن أكلم بناتها اللواتي كن صغيرات في حينها والآن متزوجات بعد عشر سنوات فقالت لي ابنتها الكبرى احنا بنفتِكر كل كلامك من يومها وماما وصتنا قبل ما تموت أن نستمر في عمل الهريسة والصلاة لسيدنا الحسين واحنا بنعمل كده كل سنة وقالت لقد بقيت أمي لحين وفاتها متواصلة مع سيدنا الحسين.

وفي يوم وفاتها بسبب السرطان اجتمعت العائلة كلها حولها وهي بتلفظ أنفاسها كانت خالتي تقول لها انت حتروحي الجنة لأن وجهك منور جدا وبيشِع نور الهي لأنك مؤمنة فردت أمي وقالت لا لا يا أختي النور هذا هو نور محبة سيدنا الحسين لأني كنت أذكره كل عام، وقبل أن تلفظ أنفاسها قالت( گيَّالك يا حسين.. گيَّالك يا سيدنا وابن سيدنا الرسول.. گيَّالك يا حبيبنا.. وحبيب سيدنا الرسول ، ثم نطقت الشهادة وتوفت ووجهها يشع نورا).

ابكتني والله هذة المكالمة وابكت كل عائلتها كما أنا أبكي الآن عندما أكتب هذه الكلمات ووجهي ممتلئ بالدموع والله.

رحمة الله عليك يا أختي أم محمد المصرية الطاهرة التي استوعبت الكلام ودخل قلبها المؤمن.

اني اكتب هذة الحادثة كي أقول: ان استذكار الإمام الحسين بطريقة تليق به وتعبر عن حقيقة ثورته تجعل القلوب تنحاز إليه في ثورته بينما ما نشاهده من إساءات تجعل المسلمين ينفرون منا ويرسلون لنا المتطرفين ليفجروا أجسامهم بنا لأننا في نظرهم نخرج عن الطريق القويم.

كم أتمنى أن يكون خطابنا الحسيني بمستوى الحسين،والله لو فعلناها فسيكون كل العرب حسينيين.

والله من وراء القصد.


الدكتور علي النشمي

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.