موروثات عاشوراء في ليبيا وتونس

أهل البيت في ليبيا

محبة أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بلاد الشمال الأفريقي والمغرب العربي الاسلامي وبين قبائل الأمازيغ السكان الأصليين متجدرة وعميقة مند أن توافد دعاة آل محمد عليهم السلام إلى هذه البلاد ووجدوا أرضا خصبة لنشر دعوتهم وقلوباً عطشة لتلقي الرسالة المحمدية الأصيلة وغضباً على ولاة الجور من ولاة الأمويين وبعدهم العباسيين,فكانت الأرض ممهدة والزرع ينبث وينمو ويثمر وينضج لما وجدوه عند أئمة أهل البيت من عدل ومساواة واحقاق حق ومؤاخاة فثلاثة من الأئمة المعصومين الاثني عشر أمهاتهم أمازيغ ولا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بتقوى الله.

عاشوراء في تونس:

تونس المهد الأول لإحتضان التشيع في بلاد المغرب وهي التي نزل بها مبعوثا الإمام الصادق عليه السلام لينشرا دعوة أهل البيت في ربوع هذا البلد الجميل المعطاء,وهي المنطلق الأول للدعوة الفاطمية – المهدية – فشعب تونس هو شعبٌ طيب محبٌ لأهل البيت عليهم السلام, فما خرج الادارسة ومن بعدهم الفاطميون من تونس إلا وقد تركوا إرثاً ثقافياً كبيراً وموروثاً وجدانياً ضخماً لم يستطع الزمن محوه رغم تقادم السنين منقلوب الناس هناك,فلا زال أهل تونس يحتفظون بذلك الإرث ويحتفلون بيوم عاشوراء وإن شُوهت طقوسه وشعائره إلا أن ملامحة تدلك عليه,فليس بعيداً عن تاريخنا الحاضر كان الناس يقيمون شعائر وطقوس عاشوراء هناك,أما العادات التي اندثرت في الوقت الحالي بالرغم من تمسك كبار السن بها مثل أن لا تغزل النساء ولا يغسلن الثياب ولا يخطبن ولا يحنين بالحناء ولا تقع فيه الأعراس,دون معرفة سبب هذه العادات أو لماذا هم يفعلون ذلك سوى أنهم رأوا أجدادهم يفعلون كل تلك الأمور وعدم العلم بهذه العادات شئ غريب يتعلل به الباحثون حيث تعرَّفوا على فك رموز الكتابة المسمارية والهيروغليفية وكشفوا كل حقائق التاريخ فهل يعجزهم ان يتتبعوا أصل هذه العادات والتقاليد !!! . فقد نقل لي أحد الأخوة التوانسة يقول: قبل 30عاماً وفي العاشر من محرم كل عام كان التونسيون يشعلون النار ويتجمع الرجال والأطفال حولها,وكان الإحتفال بعاشوراء يختلف من منطقة الى أخرى وأكثر المناطق تمسكاً بشعائر عاشوراء هم أهل الشرق التونسي,فلا زالوا يجتمعون رجالاً ونساءاً ويعدُّون الطعام ويتم توزيعه على الناس فيما ينشغل الميسورون بإقامة مآدب عشاء عامة يحضرها كل من يريد,والمظنون أن إقامة العشاء له دلالة ورمزية توحي الى أن عائلة الحسين ليلة الحادي عشر من محرم باتت بدون طعام,لذا يتم هذا العمل تقرباً لأهل البيت عليهم السلام,كما يفعل الشيعة المشارقة في مثل هذه الليلة. 

يضيف الأخ التونسي :في الجنوب الشرقي من تونس يتم الإحتفال بعاشوراء على غرار ما يقام به في العراق ويحدثنا هذا الرجل عن ذكريات والده ووالدته فيقول: قديماً وإلى حدود العشرينيات والثلاثينيات كان الاحتفال بعاشوراء شبيه جدا بالاحتفال بعاشوراء في النجف بالعراق,ويذكر لنا أهازيج عاشورائية خاصة بالمناسبة كانت ولا زالت متعارفة بين الناس كموروث شعبي تونسي,هذه الأهزوجه على لسان النساء ولكنها ندبة مشجية وحزينة تقول الأهزوجة:

اندبن يا نادبـات          وِلْد نْبينا قالوا مات
اندبن يا شيب الشيب       وِلْد نْبينا ما هو عيب
اندبن يا شيب الجنة        على وِلْد نْبينا راحو منا
واللي ما تخرج تندب       يعطيها ربي شوكة أو عقرب 

ولا زالت في الساحل التونسي هناك مساجد قديمة بإسم الحسين بن علي وفي مدينة المهدية العاصمة الأولى للفاطميين يوجد الكثر من هذه الآثار,وإن أتى الخراب على أكثرها إذبان الهجوم الأسباني على هذه المناطق,هذا بالنسبة الى المباني أما الموروث الشيعي فقد تعرض هو الآخر للتشويه والمحاربة إلا أن هناك بعض الناس لا يريدون العبث بهذا الموروث ويعتبرونه ملك للشعب التونسي وهو صاحب القرار فيه,والجدير بالذكر أن سبب المحافظة على هذا الموروث الشيعي هو إنتشار الطرق الصوفية بكثرة في المناطق التونسية وهذه الطرق كما هو معلوم تحترم أهل البيت وتقدسهم. 

عاشوراء في ليبيا:

لا تختلف ليبيا عن بقية مناطق بلاد المغرب فهي وحدة واحدة ثقافياً وجغرافياً وعرقياً مع بقية دول بلاد المغرب,وتعتبر ليبيا أولى المناطق التي دخلها المسلمون عند فتحهم بلاد المغرب حيث كان الفتح الأول لمدينة برقة وطرابلس الليبيتين,وقد تأثرت هي الأخرى بثقافة الدولة الادريسية والفاطمية والسعيدية والصنهاجية وغيرها من الدول الشيعية المتعاقبة على حكم المنطقة,ومما لا شك فيه أن هذه الدول تركت موروثاً في كل بقاع البلاد المغربية وبنسب متفاوته نتيجة بعدها وقربها من مركز القرار السياسي.

لقد ترسخت جذور الولاء والولاية للبيت المحمدي العلوي في العهد الفاطمي،وبقي الحب والولاء مستمرا حتى بعد إضمحلال الفاطميين وفقدانهم السيطرة السياسية في تلك الأنحاء،وما يزال الغالب على أبناء القبائل الإفريقية العربية أو الأمازيغية أو ذوات الأعراق الإفريقية الأصيلة تدين بالحب المفرط لأل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأسمائه وتتداول آثاره ومآثره في مسيرتها الدينية وتقاليدها الاجتماعية كما يظهر ذلك جليا ظاهرا في التراث الشعبي الإفريقي بشكل عام[1].

ولعل معمر القذافي قد أكد على الهوية الشيعية لبلاد المغرب في خطابه الذي  ألقاه في العام 2007م في ملتقى قبائل الصحراء الكبرى مبيناً أن العادات والتقاليد في الشمال الأفريقي الى اليوم كلها شيعية فقال: راجعوا كل ثقافتكم وأعيادكم ومواسمكم الدينية في شمال أفريقيةكلها شيعية -والكلام موجه للشعب الليبي-,أن الاحتفال بيوم عاشوراء والحزن يوم عاشوراء،والقصص والتشيع لسيدنا علي، وكذلك الأسماء علي وفاطمة وخديجة والحسين والحسين،فمن مصر إلى غاية المحيط الأطلسي لا يوجود حتى واحد اسمه معاوية وإذا كانت الموجة هذه الأيام هي موجة الدين والإمامة،فمن هو أحق من أهل البيت؟ أهل البيت هم أولى من كل الحكام الموجودون الآن، العرب شيعة،لسنا فرس،الدولة الفاطمية الشيعية قامت في شمال افريقيا وليس في إيران ونحن نريد أن نبعثها من جديد وإذا كان الشيعة هو التعاطف مع علي،فكل العرب شيعة..اعملوا استفتاء في كل العالم الإسلامي والعربي، قولوا لهم أنتم مع معاوية أم علي؟ يقولون لك: مع علي، قولوا لهم: أنتم مع فاطمة الزهراء أو مع أي واحدة أخرى زوجة معاوية أو زوجة يزيد أو غيره؟ يقول لك لا.. أنا مع فاطمة الزهراء معناه تشيع لأل البيت..تشيغ لفاطمة وتشيع لعلي كل العرب.. كل المسلمين.. متشيعون لعلي.. هذه حقيقة.. هذه ثقافتنا[2].
ومن بين أهم الآثار الدالة على ذلك التعلق الكبير للأفارقة بآل البيت ورموزهم المقدسة،لا سيما الإمام الحسين السبط عليه السلام وربما دلتنا هجرة أحد أعيان ليبيا في القرن التاسع عشر إلى العراق لزيارة ضريح الإمام سيد الشهداء وهذا الرجل هو عنصيل البرعصي وينتسب إلى أحد القبائل البدوية الشهيرية في ليبيا وهي قبيلة (البراعصة), وأهله من البدو الرحل ولا نعرف المزيد عن هجرته لزيارة العراق لكنه كما يدل عليه كلامه وموقفه في القصيدة التي نظمها في كربلاء[3] أنه وقف أمام ضريح الإمام الحسين مواسيا ومتذكرا تلك المأساة الرهيبة التي حاقت بآل البيت وأدت إلى استشهاد الحسين وكان لها صداه في القبائل العربية الليبية وتمنى على لسانه ولسان تلك القبائل أنه وسواه من القبائل سينجدون الحسين ويردون عنه مظلوميته إذا ما أعيدت الكرة يوم الطف ولعل هذه القصيدة وسواها هي دلالة على ان التشيع كان معروفاً وراسخاً وضارباً بجذوره بين القبائل حتى بين البدو الرحل لهذا نجد هذا الرجل يقف متأثراً بواقعة كربلاء,أي أن مشاهد وجدانية للواقعة قد إختزنها في عقله تفجرت حينما وقف عند ضريح الإمام الحسين استذكر تلك المشاهد فراح منشداً  وبلهجته البدوية هذه الأبيات:-    

تمنيتني في الفين فوق أحصنه
نهار كربلا ونجيبة قبــــــــــل يجنه
تمنيتني في أول سبيب يطـــرب
حرابى عصارى مع الحجاج [4] مغرب
ويجن في قدومهن خيـــــــل عيت مقرب
على كل تيغى [5] ما الصـــراع يعنه
صحيح هل شجاعه سال كـــــل مجرب
ما يحسبوا يوم الدنه ويهدوا روعه
على كل تيغي في القفز مـــا يوعه
قضيب قصته والبندقــــــــة وصروعه
يجن سوا ويــــــن قحز الفارس منه
رصاصه يخلف في الصدورهلوعه [6]
مراعيب خيل عـــداه ما يرجنه
يحوزوا كبار القوم في الحمرايا 
ويبقوا جلب وتصير فيهم دنة
في أول سبيب سعـادى
على كل متزمت عريض فنادى [7] 
ينجن ولد بنت الرســـــول الهادي
يخشن عليه النـار ويفكنه
يردن على الصادي [8] ورود عرايا
إن زغرت اللي صابغ يديه أبحن

لكن العادات والتقاليد العاشورائية في ليبيا هي ذاتها وإن أختلف الشكل لكن المضمون يبقى واحداً, وإن مسها التشويه الكبير,ففي يوم التاسع و ليلة العاشر من شهر المحرم تحتفل الأسر الليبية بإعداد الولائم وإلى جانب وليمة العشاء المشهورة عندهم تقوم الأسر بطهي الفول والحمص والبيض ويهدي الجيران لبعضهم الفول والحمص والبيض المطبوخ والمزخرف من أجل الأطفال الذين يتجمعون في ليلة عاشوراء بعد المغرب ويدورون على البيوت لجمع سلال الفول والحمص والبيض ويصطحبهم الشيشباني[9]( الشيصباني)[10] إلى البيوت والشيشباني يكون رجلا يرتدي ملابس من الخيش وقبعة من الخيش أيضاً ويلبس معها سلاسل من القواقع والمرايا ويمسك في يده عصا يرقص بها كبندقية والأطفال ينشدون له أنشودة الشيصباني, وهذه الشخصية هي في الموروث الشيعي ترمز للشر ويقال أن الشيصباني هو أسم من أسماء الشيطان ولعل الأهزوجة التي يرددها الليبيون توضح ذلك حيث تقول الأهزوجة:-

 شيشباني فوق حصان      سقد يامولى الدكان 
شيشباني فوق جمـــل        سقد يامــولى المحل

وكلمة سقد وفي بعض النسخ (صكر) تدل على الغلق أي إغلق الدكان قبل أن يأتي هذا الشرير,وسنأتي الى تفصيل هذه القصة لا حقا وهناك أهازيج شعرية بمناسبة عاشور يرددها مثل:-

العاشورا عاشورتي    أمليلي داحورتي 
داحورتي مليانه   بشيش اللحم والعصبانه [11]  

والداحورة هي المعدة,وهذه الأهزوجة يرددها الأطفال وهي تعني أن الأطفال جياع وليس لهم ذنب وهي رمزية عالية استخدمها الموالون لأهل البيت من أجل إبعاد عيون السلطة عنهم ومن جهة أخرى يمكنهم المحافظة على إرتباطهم بعاشوراء وعدم إندثارها بمرور الزمن وكان لهم ما أرادوا.

شخصية الشيصباني:

لابد لنا من التوقف لدى هذه الشخصية التي تعتبر جزءاً من الموروث الثقافي الليبي,وهي مرتبطة كذلك بذكرى عاشوراء ولهذه الشخصية حكايات شعبية وقصص تروى للاطفال والكبار وقد أهتم الباحثون بهذه الشخصية الشعبية فما سبب تسميتها وما هو تأصيلها التاريخي وكيف جاءت وكيف تعرف عليها الليبيون, كل هذه الأسئلة لابد أن نسلط الضوء عليها بأعتبارها محل خلاف أو لربما تكون لغزاً من الألغاز.

الشيشباني أو الشيصباني أختلفوا في تسميته فقد نقل الكاتب الليبي صالح الحصن في موقع ليبيا جيل[12] يقول: ما معنى كلمة “شيشباني” في اللغة؟ وللإجابة نسأل،ما أسم ذكر النمل ما دام اسم الجمع نمل واسم الأنثى نملة؟ تقول قواميس اللغة إن اسم ذكر النمل هو ” الشَيْصَبَان ” وهو أيضاً جحر النمل وقيل إن جحر النمل يسمى ( مازن ) وورد أن الشَيْصَبَان هو اسمٌ للشيطان من نسل إبليس إذاً فاللغة ميزت بين ذكر النمل وانثاه وجمعه ويتميز الشيصبان عن غيره من النمل بأمتلاكه جناحين شأنه في ذلك شأن الملكة غير انه أصغر حجماً منها وأكبر حجماً من الشغالات تتم عملية تزاوج الشيصبان مع الملكة في الجو بعد منافسة مميتة تموت خلالها كل الذكور المنافسة باستثناء الفائز الذي يموت فوراً بعد أن يلقِّح الملكة إذاً دون باقي الحشرات ” أعلاه نلاحظ أن الشيشباني يظهر أشبه ما يكون بذكر النمل شكل أفلا يكون أصل التسمية هو الشَيْصَبَاني (ذكر النمل) وليس الشيشباني؟.

لكن الشَيْصَبَاني عند الشيعة هو تجسيد للشيطان من نسل إبليس وليس صفة تشبيه لذكر النمل وفي البحار:قال الإمام محمد الباقر  عندما سُئل عن وقت ظهور السفياني: (أنّى لكم بالسفياني،حتى يخرج قبله الشيصباني يخرج بأرض الكوفة،يقتل وفدكم فتوقعوا بعد ذلك السفياني ثم خروج المهدي المنتظر). والمعنى كما يفسرة المختصون هو أن الشيصباني من نسل إبليس سوف يظهر في آخر الزمان على شكل حِسّي متمثل في صورة بشر يظهر فجأة كقائد عسكري في الكوفة بالعراق فيقتل أئمة المسلمين والمؤمنين وفعالياتهم(وفدكم) ويفسد الأرض والزرع ثم يخرج له السفياني من الشام ليقتله باعتباره منافساً وليس خصماً له كذلك يأتي الخرساني من بلاد فارس ينمو الشر ويزدهر عصر الفساد ويحكم نسل إبليس الأرض ثم يأتي دور اليماني كممهد لظور الإمام المهدي. 

دعونا نجيب على بعض الأسئلة المتقدمة وهي كيف وجدت هذه الشخصية في الشمال الأفريقي نقول:المظنون أن هذه الشخصية ظهرت بعد القمع الذي تعرض له الشيعة هناك فكانت هذه الشخصية كتعبير عن المقاومة للظالم ولكن بسخرية عالية وهو نوع من الكوميديا الهادفة والرمزية,ولعل هذه الشخصية كانت ترمز للنظام الحاكم آنذاك,وربما الأهزوجة تدلنا على ذلك حيث تحمل رسالة خفية تنبه صاحب الدكان وتنصحه بأن يقفل دكانه فجابي الضرائب (المَكِسْ) أو أحداً ممن لهم السلطة أو النفوذ قادم ليسلب بعضاً من ماله.

إن وجود هذه الشخصية في الموروث الثقافي الليبي يدل على وجود الثقافة الشيعية المترسخة في هذا البلد حيث استحالت هذه الثقافة الى موروث تتناقله الأجيال عبر تاريخها,ومن ثم يدلل استمرار وجود هذه الثقافة في تلك الربوع على أن الفكر الشيعي لم يكن عابراً بل كان راسخاً في نفوس الناس ووجدانهم,وذلك رغم تبدل الأوضاع وتغيير أنظمة الحكم إلا ان ثقافة الفاطميين ظلت قوية وحاول الناس هناك الى إستخدام هذه الثقافة بشكل رمزي من أجل إستمراريتها وخوفاً من إندثارها ودليل ذلك أن هذه الشخصية لا تظهر إلا في موسم عاشوراء أي في شهر محرم فهناك توافق بين الشخصية وبين الزمان الذي حدد لظهورها كل عام,ومن المعلوم أن شهر محرم يحتل مساحة في وجدان الإنسان الشيعي على وجه الخصوص لما لهذا الشهر من أهمية,فهو يعتبر شهر ثورة الحق على الباطل,وهذه نقطة جديرة بالاهتمام,ولو كان الأمر لا يخص عاشوراء لكان خروج هذه الشخصية في أيام أخرى من شهور أخرى في السنة,فعندئذٍ لا يمكن أن تكون هذه الشخصية ذات تأثيرأو انها تعبر عن شئ غير المرح والفكاهة ولكن هذا الربط  بين الشخصية والزمان له دلالة بالتأكيد,وهنا لابد لنا من القول أن هذه الشخصية ربما كانت ترمز الى الظلم الذي تعرَّض ويتعرَّض له الشيعة على يد الأشرار والمنحرفين ممن الحكام أمثال يزيد بن معاوية وعبيد الله بن زياد والمتوكل وغيرهم,وما الشيصباني إلا مثال ورمز على ذلك. 

يقول بعض الباحثون في الشأن الأجتماعي أن هذه العادات هي عبارة موروث ثقافي للشعب الليبي لا يجوز العبث به , وهذا الكلام ربما يكون موجه الى بعض من يدعي أن هذه الأعمال عبارة عن بدع فهي حرام,ونحن نتفق بعض الشئ مع هذا القول حيث طالت يد التحريف هذه الشعائر والطقوس حيث إنتشرت أحاديث تخالف المضمون العام لحدث عاشوراء,منها أن في يوم عاشوراء عادةً لا تعمل ربات البيوت الطعام  ليكون يوم راحة وعيد حيث تكتحل النساء والصبايا والفتيات الصغيرات بالكحل العربي ويخضبون أيديهن بالحناء ويقصون شعورهن لتطول وتعطى الزكاة والصدقات في يوم عاشوراء وتزار القبور ويتصدق الأهل على موتاهم,وتتفاءل النساء إن كل مايفعلنه في هذا اليوم يبارك فيه الله ويتضاعف لهذا تجتهد إن يكون هذا اليوم يوم سعيد للعائلة وتقدم فيه الولائم ويتزاور الأقارب وتكثر الصدقات, ولعل التسائل الذي أطلقه الصحابي الجليل سهل بن سعد الساعدي يوم دخل الشام وفيها سبايا الحسين والناس فرحون قال: (أوَ لأهل الشام عيدٌ لا نعرفه),وهو جوابٌ شافي وواضح للتشوية وإستغفال الناس منذ اليوم الأول للواقعة حيث عمد الأمويون الى قلب الحقائق ومازالت تقلب الى يومنا هذا, حيث يصر البعض أن ما يفعله الناس من التعاطف مع أهل البيت هو بدع لا سند شرعي لها وهنا أقول ما هذا العيد الذي إبتدعه البعض في يوم عاشوراء والمسلمون لا يدرون ما مناسبته وما هذه العادات التي لا جذر تاريخي يؤصلها ولماذا ترتبط بيوم عاشوراء بالذات.

ولعل تعليلاً غريباً يصادف الباحث في سبب طبخ البقوليات على سبيل المثال في يوم عاشوراء عند الليبيين فهوي يضارع سبب صيام ذلك اليوم يقول البعض أن عادة طبخ الفول والحمص ترجع لقصة سيدنا نوح عندما نجاه الله ومن معه من الطوفان ورست السفينة بهم على جبل الجودي حيث أخرج من السفينة بقايا البقوليات التي كانت طعامهم وطبخها فأنزلت فيها البركة وتضاعفت لهذا بقيت عادة طبخ الفول والحمص والتصدق بها وإهدائها للجيران والأطفال في كل عاشوراء وما زالت هذه العادة تتوارثها الأجيال. 

ولا أدري هل رست سفينة النبي نوح عليه السلام في ليبيا دون غيرها من البلدان حتى تكون هذه العادة مختصة باللبيين,وهل رست السفينة يوم عاشوراء بالتحديد, ولماذا تربط كل الأحداث بيوم عاشوراء دون غيره من الأيام فهو اليوم الذي تاب الله به على آدم وهو اليوم الذي نجا به موسى من آل فرعون وهو اليوم الذي رست به سفينة نوح على الجودي وهو اليوم الذي كانت فيه النار برداً وسلاماً على إبراهيم،وهو اليوم الذي خرج فيه يوسف من السجن ورد فيه بصر يعقوب،وهو اليوم الذي نزلت فيه على عيسى مائدة من السماء, واليوم الذي غفر الله به لداوود, ووهب لسليمان الملك …الخ[13].

ولعل كل المناسبات الدينية هي في يوم عاشوراء ونحن لا نعلم,ولكن السبب الحقيقي هو عملية التشويش والتشويه والتحريف للحدث الحقيقي الذي وقع في ذلك اليوم وهو إستشهاد الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب  عليه السلام . 

ولنا أن نقول أن هناك ذهنية تحريف غير مقصودة لدى الكثير من الكتاب فهم لا يحللون ألأمر ولا يمحصوه,فالرواية ما دامت سندها صحيح كما يعتقدون فمن غير المسموح أن تناقش أو تحلل,وهذا خلاف المنطق العلمي والعقلي فالقاعدة التي يسير عليها البعض هي ( إذا صح النقل بطل العقل) وهذه هي الكارثة لدى البعض, بينما الإمام الشافعي كان يقول (رأيِّ صواب يحتمل الخطأ ورأيُ غيري خطأ يحتمل الصواب) وهذا هو منطق العلم وهو مدخلية لفهم الآخر ومعرفته. 


مؤسسة الإمام الخوئي الخيرية.
________________________________________
[1] – انظر مجلة الموسم الجزآن 49- 50 ص 79-73 : مخطوطات تتعلق بالشيعة وآل البيت (ع) في ليبيا /محمد سعيد الطريحي 
[2] – نص كلمة القيادة الشعبية الإسلامية العالمية في الملتقى التاريخي الثاني لقبائل الصحراء الكبرى في أغاديس بتاريخ 31 ربيع 1375 من وفاة الرسول (ص) 2007م مكتب البحوث والإعلام والنشر في جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، طرابلس، ليبيا، ص 15 وما بعدها.عن مقال لمحمد سعيد الطريحي في موقع النور بعنوان ملحمة الحسين الليبية بتاريخ 28/07/2009.  
[3] –  نسبَ بعض المتأخرين هذه الأبيات إلى شاعر من قبيلة ترهونة ، ولا يصح ذلك والمظنون أن الشاعر الترهوني قد شارك في مجاراتها كما هو شأن الكثير من الشعراء.
[4] –  الحجاج جانب الشيء ويطلقه البدو في ليبيا على جانب الجبل الأخضر أو حافته وفي هذا البيت تمنى الشاعر عنصسل أن يكون من بني الفرسان الذين ينجدون الإمام الحسين عليه السلام قبلية حرابي برقة، وفي البيت المذكور يقول (عيت مقرب) وهو من قبيلة البراعيص ويقول بأنهم حرابى عصاري وهنا يعرف بهم ويحدد موقعهم بقوله (من الحاج مقرب) أي من تلك الجبال مغرب، وهو دليل على أنه قال تلك الأشعار وهو في العراق الذي يكون في الشرق.المصدر السابق –  ملحمة الحسين الليبية – محمد سعيد الطريحي.
[5]- تيغى: الحصان التيغى هو الحصان القوي الشديد الجسور.نفس المصدر 
[6] – هلوعة هلوع جمع هلع وهو الخوف الشديد، ويروي هذا الصراع بشكل آخر يقول الرواة (ضرب دك تكميد دار هلوعة وآفة الأخبار ورواتها.
[7] – متزمت: عريض فنادى: حصان قوي الكفل.. 
[8] – الصادى: اسم من أسماء الطبل في اللهجة الشعبية. راجع مجلة الموسم العدد 16 لسنة 1993م . 
[9] – هناك إختلاف في أصل هذه الكلمة ومعناها فالبعض ارجعها الى الروايات الشيعية والبعض الآخر نفى ذلك مطلقاً وقال أن أحل الكلمة هي إيطالية وهي لظابط إيطالي وقع بالاسر وأخذ يصيح كالمجنون شيشي  باني ومعنى شيشي بالايطالية الحمص وباني الخبز  اي الخبز والحمص , وهذا الرأي  ليس له دليل يوثقه وابسط إعتراض يواجهه هو لماذا يخرج الشيشباني في عاشوراء وما علاقته بذلك اليوم وهل هناك إرتباط للضابط الإيطالي بعاشوراء .  
[10] – الشيصباني هو شخصية تذكر أحاديث اهل البيت أنها تخرج في آخر الزمان قبل ظهور السفياني ففي الحديث عن الباقر عليه السلام عندما سُئل عن وقت ظهور السفياني قال:أنّى لكم بالسفياني،حتى يخرج قبله الشيصباني يخرج بأرض الكوفة،يقتل وفدكم فتوقعوا بعد ذلك السفياني ثم خروج المهدي المنتظر.وهذا نص الحديث في البحار( عن جابر بن عبد الله الجعفي قال: سألت أبا جعفر (الإمام الباقر) عن السفياني فقال:(أنى لكم بالسفياني حتى يخرج الشيصباني  يخرج بأرض كوفان ينبع كما ينبع الماء فيقتل وفدكم فتوقعوا بعد ذلك السفياني وخروج القائم بحار الأنوار ج52/ ص 250. وينظر الى غيبة  النعماني ج8/ ص 302/  باب 18
[11] – أكلة ليبية جزائرية وهي عبارة عن أمعاء الخراف المحشية بالرز  والثوم والبصل والحمص والبهارات وتدعى ( عصبان) .
[12]- http://www.jeel-libya.net/show_article.php?id=24337&section=13
[13] – الشيعة هم أهل السنة  محمد  التيجاني السماوي  ص 301-302/ شمس المشرق بيروت ومؤسسة الفجر بلندن، أنظر كتاب “فسيروا في الأرض” لنفس المؤلف  ص276. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى