دار الإفتاء الليبية والمرجعية الوهابية

غير خافٍ على أحد الدور البارز للتيار السلفي في بلادنا على مستوى الخطاب الديني أو على الصعيد السياسي أو العسكري المتمثل في المليشيات التي تدعم مختلف الأطراف، والتيار السلفي باختلاف توجهاته يتفق على أن فكر محمد بن عبد الوهاب يمثل مرجعاً مهماً لأفكاره وأدبياته، وكان لهدم بعض الأضرحة والزوايا المساجد في بلادنا فرصة لإعادة قراءة وتقييم موقف دار الإفتاء من الفكر الوهابي، فقد أصدرت الدار في الثاني من يناير الحالي بياناً شديد اللهجة حذرت فيه من تيار السلفية المدخلية واصفةً لهم بـ “الجماعة الغالية” و”الداخلة ضمن دور السعودية لإجهاض الثورة، وزعزعة الاستقرار في ليبيا”.

كما أنها أنكرت عليهم نبش القبور وهدم الأضرحة واصفةً لهم بأنهم: “يفعلون ذلك بزعمم محاربة الشرك وإقامة التوحيد، وكأن ليبيا بلد مشرك أهله يعبدون الأوثان”.

والملاحظ في البيان النبرة العالية والتصعيد الشديد مع هذا التيار الذي وصفت الدار شبابه سابقاً بـ: “الحريصون على الدين وإقامة التوحيد”، كما جاء في بيانها المؤرخ في 9/9/2012 والمؤشر 405، والذي جاء فيه أيضاً: “والتخلص من البناء على القبور أمر بحمد الله تعالى صار عنده قبول في الناس عامة”، كما عرضت قناة التناصح –وهي لسان حال دار الإفتاء- لقاءً امتدّ لحلقتين استضاف الدكتور سعد الفقيه المعارض السعودي البارز، وكان اللقاء بعنوان “الدعوة النجدية وآل سعود”، والمقصود بالدعوة النجدية “الدعوة الوهابية”، وكان الهدف من اللقاء هو فكّ الارتباط بين فكر محمد بن عبد الوهاب وسياسة آل سعود، وأن مبدأ طاعة ولي الأمر مما استحدثه علماء السلطة السعودية ليثبتوا به عروش آل سعود، وفيه إشارة إلى ما عليه المداخلة من مغالاة في طاعة ولي الأمر.

والسؤال الذي ينبغي أن يطرح هنا هو: لماذا هذا الإصرار من الدار على التشبث بفكر محمد بن عبد الوهاب والاستشهاد بكلامه في بياناتها خاصة في مسألة كمسألة هدم الأضرحة ونبش القبور؟ ولماذا هذا الإصرار على تقديم الفكر الوهابي كمرجع للخطاب الديني، والتنازع مع الاتجاهات السلفية الأخرى حوله والتي من بينها السلفية المدخلية والسلفية الجهادية؟

على الرغم من أن قانون دار الإفتاء ينص على أن الفتوى تكون بما في كتب المذهب المالكي –مع ما فيه من إقصاء للمذهب الإباضي- إلا أن ميول دار الإفتاء للفكر الوهابي كانت واضحة في كثير من الأمور فصدّرت للفتوى في بدايتها من يفتي ويستشهد في فتاويه بأقوال وعلماء الوهابية من أمثال الشيخ محمود بن موسى وغيره، كما أن ميول فضيلة المفتي إلى الفكر الوهابي بدا واضحاً في بعض كتاباته حتى قبل ثورة فبراير خاصة في كتابيه “الغلو في الدين” و “في العقيدة والمنهج”، كذلك افتتاح كلية دار الإفتاء التي صارت فيما بعد معهداً كان يهدف لاستقطاب طلبة العلم والقضاء على مشروع إحياء الجامعة الإسلامية في البيضاء وسحب البساط من تحت الجامعة الأسمرية، والناظر في مقرر العقيدة في المعهد وهو “شرح الطحاوية لابن أبي العزّ” يعرف توجهه الوهابي الواضح.

مع ذلك بقيت الدار تنأى بنفسها عن الصدام مع التيار المدخلي الوهابي الذي يناصبها العداء ويحذر الناس من مشايخها ويسيئ إليها، إلى أن قتل الشيخ نادر العمراني -رحمه الله- ووجهت أصابع الاتهام للتيار المدخلي، خاصة وأن العمراني كان أنشط رجال الدار وأبرز رجال السلفية الحركية التي تحسب دار الإفتاء عليهم، وقد أشرت في مقال سابق أن السلفية الحركية في ليبيا المقصود بها التيار السياسي الذي يتخذ من الفكر السلفي مرجعا له ويؤمن بالعمل السياسي وممارسته والمشاركة في الانتخابات ودخول البرلمان، ومن أبرز قيادات هذا التيار رجال الجماعة الليبية المقاتلة سابقا والذين كانوا يحملون الفكر الجهادي.

بمقتل العمراني بدأت الدار العداء صراحة للتيار المدخلي، خاصة بتولي الشيخ سامي الساعدي منصب أمين مجلس البحوث والدراسات الشرعية بدار الإفتاء، وهو الذي كان مفتيا للجماعة الليبية المقاتلة، ومن هنا بدأ التنازع على التمثيل الصحيح للمرجعية الوهابية المسماة “سلفية” بين تيار السلفية الحركية المسيطر على دار الإفتاء، والتيار المدخلي المعادي له.

إن الغرض من هذا السرد بيان أن دار الإفتاء تتبنى فكراً غريباً عن منهج المدرسة الشرعية في ليبيا، والذي تأسس على ما استقرّ عليه مذهب أهل هذه البلاد، والذي توارثه المشايخ والعلماء طبقة عن طبقة وجيلا عن جيل، وكم كان حرياً بقناة التناصح أن تقدم برنامجا عن الحركة السنوسية الإصلاحية التي أسسها العلامة العارف بالله محمد بن علي السنوسي الخطابي في الجغبوب، وأتم مسيرته من بعده ابنه محمد المهدي وكان من أبنائها شيخ الشهداء عمر المختار، بدل النقاش والتحاور حول فكر ابن عبد الوهاب الذي أورث الأمة فتاوى التبديع والتفكير.

إن من أوجب الواجبات التي أهملتها –ولازالت- دار الإفتاء إحياء المدرسة الشرعية على ما كانت عليه مناهجها التي تدرس في مدرسة أحمد باشا، وزوايا الزروق والأسمر والمحجوب والجغبوب وأبي ماضي وغيرها، وفق ما قرره أعلامها في العقائد والفقه والسلوك، من أمثال العلامة الشيخ أحمد زروق، والولي الأكبر سيدي عبدالسلام الأسمر، والشيخ أبو عبدالله الخروبي، والعلامة الأوجلي، وغيرهم كثير من العلماء والمصلحين.

إن إصرار الدار على تبني الفكر الوهابي مرجعا لها سيجعلها في معزل عن الناس وسيزيدها إيغالاً في المناكفة السياسية التي لا تليق بها.

إن دار الإفتاء متى استطاعت أن تترفع عن الميل في خطابها إلى تيار بعينه، وتتخلص من نبرة الثورية فيه، وتبنيه على تحقيق المقاصد الشرعية ومراعاة المصلحة المعتبرة – متى استطاعت ذلك رجعت لمؤسسة الإفتاء هيبتها ومكانتها، وإلا بقيت في عداد المتناكفين والمتدافعين على السلطة وفقدت تأثيرها في الناس وضيعت ما اؤتمنت عليه.


الشيخ علي أبو زيد

مصراتة – ليبيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى