موقع اهل البيت في ليبيا يعتني بالتسامح الديني والأخوّة الليبية

الإمام السيد أحمد الشريف السنوسي

السيد أحمد الشريف بن محمد الشريف بن السيد محمد بن علي السنوسي الإدريسي الحسني.

مجاهد وزعيم وطني ليبي من الأسرة السنوسية قاد الجهاد في شرق ليبيا ضد الغزو الايطالي للبلاد في بدايات القرن العشرين وهو أحد كبار المجاهدين الليبيين، جاهد وشارك وقاد معارك الجهاد ضد الغزاة الفرنسيين والإنجليز والإيطاليين في تشاد والسودان ومصر وليبيا وساهم في نشر الدعوة الإسلامية وتعاليم الدين الإسلامي في أرجاء من أفريقيا وهو صاحب كتاب “السراج الوهاج في رحلة السيد المهدي من الجغبوب إلى التاج” الذي دوّن فيه الرحلات الدعوية التي رافق فيها عمه محمد المهدي السنوسي.

-ولادته:

ولد في عام 1873م، في واحة الجغبوب جنوب شرق ليبيا.

زعامة الحركة السنوسية:

تزعّم الحركة السنوسية في عام 1902م، خلفاً لعمه الامام محمد المهدي السنوسي والد الملك محمد ادريس السنوسي الذي كان قد بلغ الثالثة عشرة من عمره آنذاك.

استمر في إمارة الحركة السنوسيّة من 1902م الى 1916م، حيث سلم الأمانة للوريث الشرعي ابن عمّه محمد ادريس بن المهدي وقبل حوالي عامين من مغادرته ليبيا مرغماً على ظهر غواصة ألمانيّة بعثتها له تركيا في أغسطس 1918م لتنقله من ليبيا ليصل لاحقا إلى النمسا ثم الى الأستانة بتركيا.

جهاده ضد الغزو الإيطالي:

ومع بداية الغزو الإيطالي للشواطئ الليبية عام 1911م، كان قد أعاد تنظيم الحركة السنوسية من خلال الزوايا التي انتشرت في بلدان كثيرة، كما سعى جاهداً لمد جسور التعاون والتناصح مع الحركات الإسلامية الأخرى وتدعيم وشائج الأخوة الإسلامية بينها، كما ارتبط أشد الارتباط بالخلافة الإسلامية التي كانت تمثلها الدولة العثمانية في تركيا،وما أن وطأ البلاد جنود المستعمر الإيطالي حتى كان السنوسي قد حوّل زوايا الحركة السنوسية إلى معسكرات لإعداد قوة عسكرية من الأهالي والأتباع بالتعاون مع من بقى من جماعات  الضباط الأتراك واتخذ التدابير اللازمة لتزويد تلك القوات بالأسلحة والعتاد بشتى الطرق.

وعندما تناهى لأسماع السيد أحمد الشريف اعتزام تركيا إبرام الصلح مع إيطاليا، شكل وفداً من زعماء السنوسية وأهالي البلاد وبعثه إلى مدينة درنة لمقابلة “أنور بك” الوالي العثماني،وسلّمه رسالة خطية جاء فيها:”نحن والصلح على طرفي نقيض،ولا نقبل صلحاً بوجه من الوجوه،إذا كان ثمن هذا الصلح تسليم البلاد إلى العدو”.ونتيجة ذلك وصل عزيز المصري مبعوث الوالي العثماني بصفته ممثلاً للدولة العثمانية في ليبيا ومديراً للعمليات العسكرية فيها،وصل الجغبوب مركز قيادة السنوسية وأبلغ أحمد السنوسي أن الخليفة قد منح البلاد الإستقلال وحق الدفاع عن نفسها وتقرير مصيرها،ولكن مع تذبذب الموقف التركي من مسألة الصلح مع إيطاليا،وتوقيع الدولة العثمانية معاهدة الصلح مع إيطاليا التي تنازلت بموجبها لإيطاليا عن ليبيا،عاد أنور باشا لطرح فكرة القبول بالصلح على السيد أحمد الشريف فكان رده أكثر حزما،قائلا “والله لا نسلمهم من أرضنا طراحة حصان”(أي حتى شبر من أرضنا).

وبعد توقيع الدولة العثمانية “معاهدة لوزان” مع إيطاليا والتي سلمت فيها تركيا ليبيا إلى إيطاليا، بادر السيد أحمد الشريف بإعلان الحكومة السنوسية لسد الفراغ المترتب على انسحاب القوات التركية من البلاد،وكان شعار تلك الحكومة “الجنة تحت ظلال السيوف” ثم أعلن الجهاد في منشور عممه على مشائخ الزوايا السنوسية والقبائل والأهالي وطلب من كل فرد من سن 14 إلى سن 65،أن يذهب إلى الميدان مزودا بمؤونته وسلاحه ومع توالي الهزائم التركية في البلقان،أصدرت القيادة التركية أوامرها بضرورة الإنسحاب النهائي من الأراضي الليبية،ومع الإنسحاب الكامل للقوات التركية من البلاد، قرر السيد أحمد الشريف الإنتقال بقواته التي بلغت حينئذ سبعة آلاف مقاتل،إلى منطقة امساعد على الحدود الشرقية مع مصر مما فرض ظروفا وأوضاعا جديدة على المنطقة وخاصة بعدما تبين أن السيد أحمد الشريف قد نجح في تحويل القوات السنوسية إلى جيش نظامي مدرب،ومستعد لخوض غمار حرب فدائية طويلة المدى ضد الطليان عند اشتداد معارك الجهاد وبسط إيطاليا وجودها على أجزاء من ليبيا كلف السيد أحمد الشريف أخاه السيد صفي الدين السنوسي بقيادة منطقة غرب برقة والتنسيق مع قيادات طرابلس وفزان في محاربة العدو الإيطالي،وفعلاً ترك السيد صفي الدين مدينة اجدابيا وتحرك مع كثير من المجاهدين إلى جهة سرت واتصل هناك بالعديد من قادة الجهاد الليبي وزعماء القبائل أمثال أحمد بك سيف النصر وعبدالنبي بالخير ورمضان السويحلي وغيرهم.

الحرب العالمية الأولى:

بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى تعزز موقف السيد أحمد الشريف وقواته،حيث جعلت الأطراف المتحاربة تسارع لكسب وده وقواته، تركيا وألمانيا من جهة،وبريطانيا ومصر من جهة أخرى، فالأولى رغبت ان يقوم بتخفيف الضغط على ايطاليا بمهادنتها،وبفتح جبهة جديدة ضد الإنجليز في السلوم والأخرى رغبت في مساعدته للقضاء على الطليان العدو الرئيسي له آنذاك.

وبسبب الضغوط الشديدة التي مارستها الدولة العثمانية عليه، بالإضافة إلى الانتصارات الألمانية ـ العثمانية على قوات الحلفاء في أوروبا،وظهور الثورات الشعبية ضد الإنجليز في الهند وأفغانستان والسودان،اختار السيد أحمد الشريف أن يقوم بالإغارة على قوات الإنجليز في أوائل نوفمبر 1915م داخل الحدود المصرية وهزمهم في السلوم ولاحقهم حتى منطقة سيدي براني حيث اندمج بقواته مع القوات الوطنية المصرية بقيادة محمد صالح حرب،ولكن القوات البريطانية تمكنت من صد الهجوم في معركة العواقير 1916م التي أسر فيها السيد جعفر العسكري (ابو الجيش العراقي ومؤسسه لاحقا)،وهرب فيها نوري باشا وعبدالرحمن عزام، وواصل السيد أحمد الشريف القتال من المحور الجنوبي واحتل عددا من الواحات،وسارع بالاتصال بعلي دينار سلطان دارفور بالسودان ومشائخ الصعيد في أسيوط والفيوم محاولا تكوين جبهة عريضة لقتال الإنجليز،وخاض بقواته عدة معارك آخرها “معركة بئر تونس” التي اضطر فيها للتراجع والإنسحاب،وذلك بسبب عدم استجابة زعماء القبائل في الفيوم والصعيد ودارفور من جهة، وفشل قوات جعفر العسكري واستسلامه من جهة أخرى،فضلا عن التباين الكبير بين القوتين،فبينما كانت القوات السنوسية تقاتل بباندق عادية وعلى ظهور الخيل في أرض مكشوفة،استخدم الإنجليز المدفعية والطائرات،يضاف إلى ذلك صعوبة التموين بل وانقطاع موارده غالباً.

هاجمت قوات الحركة السنوسيّة – عشرة آلاف مجاهد – بقيادة السيد أحمد الشريف القوات الإستعماريّة البريطانيّة في الصحراء الغربيّة المصريّة عند السلوم واستمر القتال بين السنوسيين والبريطانيين إلى 1917م العام الذي انتصر فيه البريطانيون بقيادة الجنرال بيتون (Peyton) على قوات المجاهدين وكانت حملة السلوم،نهاية المطاف في الصراع السنوسي ضد الإنجليز في ليبيا،وقد بادروا بتهديده بضرورة ترك الجغبوب فورا،تحت طائلة ضرب وتهديم ضريح قبر جده الأكبر السيد محمد بن علي السنوسي بالطائرات واحتلال المدينة.

مغادرة ليبيا:

غادر السيد أحمد الشريف ليبيا إلى المنفى في أوائل أغسطس 1918م على متن غواصة ألمانية من “مرسى العقيلة” ومعه كبار معاونيه وقادته منهم محمد صالح حرب، ونوري باشا،وصالح أبوعرقوب البرعصي، وحسين الموهوب الدرسي،وعبدالله البسطة أما الباقي الأتباع في ليبيا وعلى رأسهم عمر المختارفقد انسحبوا إلى الجبل الأخضر ومنهم من استدعاه للحاق به مثل الشيخ المفتي والقاضي محمد عزالدين الباجقني حيث كان كاتباً خاص له ((بعض الروايات تقول أنه هاجر معه بنفس الوقت)),وقد كان إبعاد السسيد أحمد الشريف انتصارا لكافة الأطراف المعادية لنضال الشعب الليبي وصل إلى “ميناء بولاوتريستا” ومنها إلى النمسا ثم بالقطار إلى استانبول حيث استقبل استقبالا حافلا تدعيما لمواقفه وصموده،وقلده السلطان محمد السادس السيف “علامة السلطنة” ومُنحَه وساماً مجيدياً وأنعم عليه برتبة الوزارة.

نشاطه في المنفى:

مباشرة بعد استقراره في المنفى أخذ السيد أحمد الشريف يحرض العثمانيين على إعطاء القضية الليبية الأهمية القصوى،وقد نجح بالفعل في اقناع عزت باشا،رئيس الوزراء آنذاك في أكتوبر 1918م، بأن يسمح له بالسفر خفية إلى طرابلس بعد تزويده بالمعدات والسلاح والأموال،إلا أن اتفاق هدنة الحرب العالمية الأولى حال دون انجاح المهمة،ومع ذلك فقد انتقل ورفاقه من اسطنبول إلى بروسه، استعدادا للعودة إلى برقةإذا ما أخفقت جهود السلام.

وحتى بعد أن اضطر لمغادرة البلاد،استمر في متابعة حركة الجهاد،والعمل على تأمين ما يستطيع من احتياجات المجاهدين،ولعل المهمة التي أوكلها إلى محمد أسد هي إحدى صور هذا الجهد،الذي كان السيد أحمد الشريف يبذله من المنفى لتقديم الدعم إلى المجاهدين،ولم تنقطع مراسلاته مع المجاهدين،حتى السنوات الأخيرة من الجهاد بعد استشهاد “شيخ الشهداء” عمر المختار وعلى احتوائها على توجيهات إلى المجاهدين،خاصة الرسالة المؤرخة في 16 جمادى الآخرة 1350هـ، التي انتدب فيها،المجاهد يوسف بورحيل المسماري لتولي القيادة بعد استشهاد عمر المختار.

أدت نتائج الحرب العالمية الأولى إلى الإنقسام في تركيا بين الخليفة في الأستانة، وأنور بك في القوقاز،ومصطفى كمال أتاتورك في الاناضول،وحاول كل منهم اجتذاب السيد أحمد الشريف إلى جانبه باعتباره زعيما دينيا موثوقا وذو شعبية كبيرة في تركيا،ولكن السنوسي اتخذ موقف الحياد إزاء الزعماء الثلاث وإن كان يميل إلى أنور باشا في أحاديثه الخاصة،وكان الأخير قد وعده بتسهيل عودته إلى برقة بالسلاح والرجال والأموال إذا ما نجح في حسم الصراع لصالحه وكان ذلك غاية ما يتنماه السيد أحمد الشريف.

المهام والمناصب:

بلغت ثقة الأتراك بالسنوسي حداً جعل “مجلس المبعوثان” يصدر قراراً بتعيينه ملكا على العراق في أبريل 1921م، ولكن فيصل بن الحسين،بدعم الإنجليز نجح في الوصول إلى العراق قبله،ويذهب بعض الباحثين إلى أن مصطفى كمال أتاتورك قد عرض الخلافة على السنوسي ولكنه رفضها متعللا بأن أحوال العالم الإسلامي آنذاك لا تشجع على اتخاذ مثل تلك الخطوة. 

شهدت سنتي 1921م و 1922م تحركا سياسيا واسعا للسيد أحمد الشريف محاولا خلق جبهة إسلامية عريضة تضم الخديوي عباس”مصر” وعبدالعزيز ال سعود “أمير نجد”، وأحمد الجابر الصباح “أمير الكويت”،والحسن الادريسي “أمير عسير”، وحميد الدين “امام اليمن”، هدفها تحرير العالم العربي الإسلامي من الإستعمار الإيطالي والإنجليزي والفرنسي،ثم انتقل إلى سوريا محاولا اثارة الشعور الديني،محرضا أهلها على العمل لطرد الفرنسيين بمساعدة الأتراك غير أن الفرنسيين كشفوا تحركاته وطردوه إلى تركيا عام 1924م.

وعلى أثر الإنقلاب الذي قاده مصطفى كمال أتاتورك وإلغاء الخلافة العثمانية عام 1924م،أدرك السنوسي أن لا مكان له في دولة أتاتورك العلمانية،فانتقل إلى مكة المكرمة بعد أن سدت في وجهه أبواب البلاد العربية الأخرى.

اقامته في مكة المكرمة:

كانت الفترة من 1924م إلى 1933م تمثل جانبا مهما في حياة السيد أحمد الشريف في المنفى حيث أقام في مكة المكرمة مستفيدا من العلاقة الخاصة التي كانت تربطه بـ عبد العزيز آل سعود، وبدا محركا وقائدا للمقاومة والجهاد في الداخل والتي كان يقودها في المنطقة الشرقية للبلاد عمر المختار ويعاونه قجة بن عبد الله السوداني،والفضيل بوعمر،ويوسف بورحيل المسماري،وحسين الجويفي،وعبدالله بوسلوم، وعبدالحميد العبار،وقد تبقى من العائلة السنوسية بعد رحيل السيد ادريس السنوسي عام 1923م إلى مصر كل من السيد  محمد الصديق والسيد محمد الرضا والسيد الحسن الرضا.

ومن الروايات التي نقلها شكيب ارسلان في كتابه “حاضر العالم الإسلامي” عن عبد العزيز جاويش المقرب من السيد أحمد الشريف أن ضابطا إيطاليا برتبة عقيد طلب مقابلته عندما كان في مرسى تركيا سنة 1924،وهو يستعد للرحيل إلى مكة المكرمة،ولكن السنوسي رفض الحديث معه بشكل قاطع عندما علم أنه يعرض عليه فكرة عقد صلح بينه وبين الحكومة الإيطالية وكان جوابه “إننا لا نكره الصلح،ولكن على شرط الإستقلال الحقيقي لوطننا”وعندما علم أنه لم يكن مفوضا من قبل حكومته أنهى المقابلة معه على الفور،وحتى بعد أن تمكن العقيد الإيطالي من الحصول على التفويض من حكومته رسميا حاول التفاوض معه عن طريق معاونه عبد العزيز جاويش إلا أن السيد أحمد الشريف كان حازما في توجيهاته لمعاونه التي ختمها بقولته الشهيرة: “إن طرابلس وبرقة ليستا ملكي لأجود بهما على الطليان بل هما ملك أهلهما”.

وفي 21-10-1926م نجح السيد أحمد الشريف السنوسي في عقد معاهدة بين إمام اليمن يحي حميد الدين وإمام المخلاف السليماني الإمام الحسن بن علي الادريسي وسلطان نجد عبد العزيز آل سعود،أنهى بموجبها الخلافات والحروب الدائرة في المنطقة،وكان هدفه من ذلك القضاء على تلك الحروب الجانبية التي تستنفد الكثير من جهود المسلمين حتى يلتفتوا جميعا إلى العدو “الإنجليزي والإيطالي والفرنسي” الذي كان يحتل جزء كبيرا من العالم الإسلامي.

وظل السيد أحمد الشريف السنوسي طوال فترة اقامته في مكة المكرمة متفرغا لدعم المجاهدين في الداخل،وكان يتخذ من مواسم الحج والعمرة وسيلة للاتصال بالليبيين ويستقبل الرسل الوافدة إلى مكة من قادة الجهاد، يزودهم بالتوجيهات والتعليمات وكذلك بالإمدادات كما جعل من مواسم الحج منبرا اعلاميا يحث المسلمين منه على دعم القضية الليبية ويجمع التبرعات منهم.

قيل عنه:

-قال عنه محمد أسد في كتابه “الطريق إلى الإسلام”: “ما من رجل ضحى بنفسه تضحية كاملة مجردة، عن كل غاية في سبيل مثل أعلى، كما فعل هو. لقد وقف حياته كلها، عالما ومحاربا، على بعث المجتمع الإسلامي بعثا روحيا، وعلى نضاله في سبيل الاستقلال السياسي”.

-قال عنه شكيب أرسلان في “حاضر العالم الإسلامي”: “اتحاد الكلمة على نزاهة هذا الرجل، وتجرده عن المآرب الشخصية، وعزوفه عن حظوظ الدنيا، وانصراف همه كله إلى الذب عن بيضة الإسلام بدون غرض سوى مرضاة الله ورسوله، وحفظ استقلال المسلمين” “عندما قدمت إلى الآستانة في أواخر سنة 1923م، وهي أول مرة دخلتها بعد الحرب قررت لأجل الاستجمام من عناء الأشغال وترويح النفس بعد طول النضال،أن أسكن ببلد صغير تتهيأ لي فيه العزلة وتسهل الرياضة،ويكون دانيا من وطني سورية لملاحظة شغلي الخاص، وتعهد أملاكي فيها، فاخترت مرسين، وألقيت مرساة غربتي فيها وكان السيد السنوسي بلغه قدومي إلى دار السعادة، فكتب لي يرغب إليَ في سرعة المجيء ويرحب بي فلما جئت إلى مرسين،ذهبت توا لزيارته فأبى إلا أن أنزل عنده،ريثما أكون استأجرت منزلا في البلدة،وقد رأيت في هذا السيد السند بالعيان ما كنت أتخيله عنه بالسماع،وحقَ لي والله أن أنشد: (من البسيط).

كانت محادثة الركبان تخبرنا= عن جعفر بن فلاح أطيب الخبر

حتى التقينا فلا والله ما سمعت= أذني بأحسن مما قد رأى بصري

رأيت في الرجل حبراً جليلاً وسيدا غطريفا وأستاذا كبيراً من أنبل من وقع نظري عليهم مدة حياتي جلالة قدر وسراوة حال ورجاحة عقل وسجاحة خلق وكرم مهزة وسرعة فهم، وسداد رأي، وقوة حافظة، مع الوقار الذي لا تغض من جانبه الوداعة،والورع الشديد في غير رياء ولا سمعة سمعت أنه لا يرقد في الليل أكثر من ثلاث ساعات،ويقضي سائر ليله في العبادة والتلاوة والتهجد،ورأيته مرارا ًتنفج بين يديه السفر الفاخرة اللائقة بالملوك فيأكل الضيوف والحاشية ويجتزيء هو بطعام واحد لا يصيب منه إلا قليلا،وهكذا هي عادته وله مجلس كل يوم بين صلاتي الظهر والعصر لتناول الشاي الأخضر الذي يؤثره المغاربة فيأمر بحضور من هناك من الأضياف ورجال المعية،ويتناول كل منهم ثلاثة أقداح شايٍ ممزوجا بالعنبر فأما هو فيتحامى شرب الشاي لعدم ملاءمته لصحته،وقد يتناول قدحا من النعناع.

ومن عادته أنه يوقد في مجالسه غالبا الطيب،وينبسط السيد إلى الحديث،وأكثر أحاديثه في قصص رجال الله وأحوالهم ورقائقهم وسير سلفه السيد محمد بن علي بن السنوسي والسيد المهدي وغيرهما من الأولياء والصالحين وإذا تكلم في العلوم قال قولا سديدا،سواء في علم الظاهر والباطن وقد لحظت منه صبرا قلَ أن يوجد في غيره من الرجال،وعزما شديدا تلوح سيماؤه على وجهه،فبينا هو في تقواه من الأبدال إذا هو في شجاعته من الأبطال وقد بلغني أنه كان في حرب طرابلس يشهد كثيرا من الوقائع بنفسه،ويمتطي جواده بضع عشر ساعة على التوال بدون كلال وكثيرا ما كان يغامر بنفسه ولا يقتدي بالأمراء وقوَاد الجيوش الذين يتأخرون عن ميدان الحرب مسافة كافية،أن لا تصل إليهم يد العدو فيما لو وقعت هزيمة وفي إحدى المرار أوشك أن يقع في أيدي الطليان، شاع أنهم أخذوه أسيرا، وقد سألته عن تلك الواقعة فحكى لي خبرها بتفاصيله،وهو أنه كان ببرقة فبلغ الطليان بواسطة الجواسيس أن السيد في قلة من المجاهدين،وغير بعيد عن جيش الطليان،فسرحوا إليه قوة عدة آلاف ومعها كهرباة خاصة لركوبه،إذ كان اعتقادهم أنه لا يفلت من أيديهم تلك المرة،فبلغه خبر زحفهم وكان يمكنه أن يخيم عن اللقاء أو أن يتحرف بنفسه إلى جهة يكون فيها بمنجاة من الخطر،أو يترك الحرب للعرب تصادمهم فلم يفعل وقال لي: ((خفت أنني إن طلبت النجاة بنفسي أصاب المجاهدين الوهن فدارت عليهم الدائرة فثبت للطليان وهم بضعة آلاف بثلث مائة مقاتل لا غير،واستمات العرب وصدموا العدو،فلما رأى وفرة من وقع من القتلى والجرحى ارتدوا على أعقابهم،وخلصنا نحن إلى جهة وافتنا فيها جموع المجاهدين)).

والسيد أحمد الشريف سريع الخاطر،سيال القلم لا يمل الكتابة أصلا وله عدة كتب منها كتاب كبير أطلعني عليه في تاريخ السادة السنوسية وأخبار الأعيان من مريديهم والمتصلين بهم، ينوي طبعه ونشره فيكون أحسن كتاب لمعرفة أخبار السنوسيين.”

وفاته:

توفي يوم الجمعة في منتصف ذي القعدة سنة 1351 هـ الموافق 10 مارس 1933م في المدينة المنورة، ودفن في مقبرة البقيع.


المصادر:

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.