موقع اهل البيت في ليبيا يعتني بالتسامح الديني والأخوّة الليبية

البعد الديني للصراع السياسي: تبعية أم استقلال

أهل البيت في ليبيا 

يعتقد معظم الناس أن الجانب الديني هو المحرك الأساسي في الصراعات المشتعلة بالمنطقة أو على الأقل هو الوسيلة التي تم استخدامها والباب الذي تم الدخول منه لاشعال الحريق في البيت العربي والاسلامي،فالفتاوى والأحاديث الدينية هي التي تشغل ماكنة النقد للدين والمؤمنين به، مستفيدين من الموروث السابق والدعوات الحالية، ودعمت الجماعات المتطرفة هذه الفرضية ولتغذيها اكثر احداث “الربيع العربي”، التي اشعلت الصراع بين ايران “الشيعية” والسعودية “السنية”.

وبسبب الضغط الشديد المسلط لتاكيد وجهة النظر هذه، لا يمكن للمدافعين عن فرضية “براءة”، الدين من الصراعات السياسية، أو اتهام السياسية باستخدام الدين، وفي حقيقة الأمر فان من يرى داعش يذبح باسم الإسلام وبفتاوى مستحدثة، وكيف استخدمه قبله تنظيم القاعدة يجزم بان الدين هو المحرك لازمات العالم.

وسائل الاعلام الغربية، والأمريكية تحديدا تكرر فرضية الإرهاب الديني، بدأت منذ احداث الحادي عشر من سبتمبر وحتى الان، ونشر موقع قناة الحرة الامريكية يوم الثلاثاء، 23 نيسان الجاري، مقالا، يجزم بأن الدين هو المسبب للتطرف، وهو أمر غير قابل للنقاش بحسب المقال، اذ يقول الموقع انه “من الواضح أن الإرهاب في العشرين أو الثلاثين سنة الأخيرة هو إرهاب ديني بامتياز. وتدل كل المؤشرات على أن الإرهاب سيبقى إرهابا دينيا في مدى المستقبل المنظور؛ حيث لا تكف كل الوقائع الإرهابية المعاصرة (التي تقتل المدنيين بالمجان؛ لتحقيق أهداف سياسية) عن الانتساب إلى مرجعيات ثقافية دينية ذات بعد جماهيري، تؤسس لمقولات واضحة ومباشرة، تقف وراء عمليات التجييش/ الحشد التي تسبق الفعل الإرهابي، أو هي مقولات لاحقة؛ تتبع الفعل الإرهابي تبريرا، بل وتبجيلا. ولهذا، رأى المعنيون بمكافحة الإرهاب أن استباق الفعل الإرهابي لا بد أن يبدأ من هناك، من بعيد، أي من بدايات تشكل الرؤية المتطرفة/ المتزمتة التي تخاصم كل المختلفين/ المغايرين، بل وكل صور الاختلاف”.

نتفق تماما على ان إرهاب السنوات السابقة مدفوع بفتاوى دينية، خلال الثلاثة عقود الماضية، ولا يختلف اثنان على ان ما يشاهد على السطح هو صراع ديني بامتياز، أو طائفي كما يحدث بين دول مثل السعودية وايران، في مساحات شاسعة أهمها سوريا ولبنان والعراق واليمن، إلا أن هناك تساؤلات تثار عن مركزية الدين في هذه الصراعات؟ وهل هو المحرك أم المتحرك فوق أرضية سياسية؟

تعليقا على مقال قناة الحرة، فان العقود الثلاثة الماضية التي سادها إرهاب ديني،وهو يقصد ضمنا حركة طالبان التي هاجمت الولايات المتحدة الامريكية بفتاوى من زعيمها أسامة بن لادن،وجماعة داعش الإرهابية والتي استولت على مناطق واسعة في العراق وسوريا، ويضاف لهاتين الجماعتين فروع أخرى قد لا يمكن احصاؤها.

في البداية كانت حركة طالبان في حقيقتها ولدت من رحم الصراع الدولي الأكبر في القرن العشرين بين الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفيتي، وسميت فترة التسعينيات من القرن الماضي بـ”الجهاد الافغاني”،وأقرت واشنطن بإنشائها حركة طالبان حتى انها دخلت في اتهامات مبطنة مع السعودية بدعم الإرهاب، فيما ردت الرياض على لسان ولي عهدها محمد بن سلمان انها قامت بذلك الفعل بطلب أمريكي.

الإقرار الأمريكي والسعودي بانشاء ودعم الجماعات الدينية يثبت بالدليل القاطع ان الدول الكبرى هي من تستخدم الدين لمحاربة خصومها، فاستخدمت طالبان لهزيمة السوفيت،وهي تستخدمه بذات الطريقة لضرب دول بعينها في الشرق الأوسط، فدعمت المليشات الاسلامية في ليبيا لاسقاط حكم معمر القذافي، تاركة البلد لقمة سائغة للخراب.

في سوريا لا يختلف الحال كثير لحد التطابق، أمريكا والدول الغربية توفر الغطاء السياسي الدولي،فيما تقوم الدول الخليجية بتمويل الجماعات المتطرفة من أجل اسقاط حكومة الرئيس السوري بشار الأسد،لكن الحرب هذه المرة أصبحت طويلة جدا وافرزت جماعات أخرى أكثر تشددا وخرجت عن السيطرة الغربية الخليجية،فولدت داعش وجبهة النصرة، ويعرف الجميع ان هاتين الجماعتين واجهتا رفضا شعبيا من قبل قطاعات اجتماعية واسعة،على عكس ما تروج له وسائل الاعلام.

في العراق ضربت الجماعات الارهابية المناطق الشيعية بألاف السيارات المفخخة والعبوات الناسفة،وكان الدعم السعودي والسوري شبه علني لتلك الجماعات، فتلك التفجيرات لم تدعمها الفتاوى الدينية فقط،انما ارتبط بشكل وثيق مع السياسة، فسوريا التي كانت تدعم الجماعات المتطرفة ووصل الحال بالعراق إلى تهديها عبر تقديم شكوى لمجلس الأمن، عادت وحاولت التوقف عن دعم تلك الجماعات حينما أحست بالخطر،والحال ينطبق على السعودية فهي التي دعمت الجماعات الإرهابية حتى خلال هجوم داعش على العراق، وقد اقر وزير الداخلية السعودي منتصف عام 2017 بوجود جمعيات سعودية لدعم الجهد “الإرهابي” في العراق خلال معركة الفلوجة.

بعدما تحسنت العلاقات السياسية بين العراق والسعودية، لم نعد نسمع بتبرعات سعوديين للجماعات الإرهابية،كما توقفت الاعتداءات الإرهابية ضد المساجد والحسينيات الشيعية،واختفت الفتاوى الدينية التي تصف الشيعة بالروافض والصفويين، وحلت مكانها الدعوات التي تؤكد على الحوار مع العراق، ودعم شعبه في التعافي من محنته.

السعودية التي تتهم قطر اليوم بإيواء جماعة الاخوان المسلمين، وتعتبرها إرهابية كانت في يوم من الأيام هي الداعم الأساسي لهذه الجماعة ثم انقلبت عليها،كما ان قطر نفسها تستخدمها لأجل أغراض سياسية تستهدف الأنظمة المعارضة لها، فالدين هنا اصبح وسيلة الأنظمة السياسية من أجل اثارة الشعور الحماسي لدى الناس ومن ثم تحقيق اهداف سياسي قصيرة أو طويلة الأمد حسب طبيعة العدو.

الجماعات الدينية المتطرفة هي وليدة الصراعات السياسية الدولية والإقليمية،وليس الصراعات هي وليدة الفتاوى الدينية كما يتصور البعض،فجذر المشكلة سياسي والدين والجماعات المتطرفة هي أدوات لهذا الصراع في كل الأحوال، والا كيف يمكن تفسير توقف التفجيرات الإرهابية في العراق بعد تحسن العلاقات مع السعودية وقطر، وكيف يمكن تفسير الدعم الأمريكي للجماعات المسلحة السورية، ولماذا تختفي الجماعات الدينية حينما تهدأ العلاقات بين الدول واية ذلك قطر والسعودية فلم يتهم بعضهم الاخر بالإرهاب الا حينما تدهورت العلاقات السياسية، فالدين هنا يصبح إرهابيا عندما ينقطع حبل التواصل الدبلوماسي بين الدول ويختفي تماما عندما تبنى جسور التواصل السياسي.


بقلم:مسلم عباس
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.