موقع اهل البيت في ليبيا يعتني بالتسامح الديني والأخوّة الليبية

العدو والتطبيع الجماعي

أهل البيت في ليبيا

يبدو مصطلح العدو (enemy) ومعناه الدقيق في اللغة العربية واللغات الأخرى محيّرا،ويبدو أننا نخلط كثيرا بين مصطلحات العدو والمنافس والخصم والمنازع والمخالف والمختلف والى غير ذلك من المترادفات، كما يبدو أيضا أننا نستهين في استعمال مصطلح العدو مع القريب والصديق.
.
ويمكن بجرة قلم متهور أن يكون العدو دولة عربية أو جارة اسلامية أو جزء من داخل القطر الواحد نفسه أو طرف أصيل في تحالفاتنا التاريخية والتقليدية لا لسبب الا لأننا فقدنا المعيار الذي نقيس عليه الصديق من العدو وتشابك في المفاهيم قد يقودنا الى معاداة انفسنا وخسارة تحالفاتنا التي بنيناها عبر العصور.
.
وللتنبيه فان العدو الأول والذي يستحق الوصف عن جدارة بالعدو هو الكيان الاسرائيلي الصهيوني المغتصب للأرض العربية، ويليه في العداوة كل من اغتصب الأرض وانتهك العرض من غير بنو جلدتنا،لقد انتهج أجدادنا سياسة العدو والعدوان مع الكيان الاسرائيلي الصهيوني المحتل للأرض العربية بشكل ربما مبالغ فيه ولم تتوازى تلك السياسة مع كسب المواقف العالمية ومراعاة التحالفات العالمية اللازمة وكسر حواجز كثيرة، كما لم يتم الاتفاق على مواقف وطنية متينة يمكن الاعتماد عليها ويمكن استمراريتها.
.
فقد كانت الدول العربية تمزقها الفتن والدسائس والخلافات والتشرذم والتفرق ونجح الطرف الآخر الخصم أيما نجاح في القيام بدور المتمترس خلف أولوياته ومبادئه وتحالفاته ودعم ترسانته العسكرية والحربية الاستراتيجية وبنى اقتصادا متماسكا وسط الرعب والخوف والانعزالية من دول الجوار واستطاع أن يكون مثالا ناجحا في خططه وناجحا في تنفيذها وصار قطبا اقتصاديا قويا يجذب نحوه الأطراف التي كانت تكن له العداء بل ذهب في تحالفاته الى أبعد من ذلك واستطاع أن يقنع الكثير من الأطراف ببراءته من التهم الموجهة اليه وبرر لهم اغتصاب الأرض وضرورة فرض شيء من الجور والظلم على جزء منا من أجل مصلحة ذلك الجزء المتضرر من اعتداءاته وصور لنا أطرافا أخرى كانت ضمن تحالفاتنا بأنها هي العدو بعينه وبذاته وادعى بأنها هي التي تشكل خطرا على أمننا ووجودنا.
.
الأمن والوجود هما المعياران الأساسيان اللذان لم نقس عليهما تحالفاتنا وخطواتنا نحو التطبيع،فأمننا القومي مهدد من الداخل أكثر من الخارج لأننا سمحنا لجسم سرطاني أن يتمكن منا بهذه الحدة وأصبحنا للأسف لا نفرق بين المطامع المتوجهة نحونا وبين من حقق جزء كبير من مطامعه ويطلب المزيد،ووجودنا في ظل هذا الاحتلال صار مهدد أيضا خاصة أنه يحاول أن يقوم بدور القيادة من داخلنا وذلك بسبب قوته وقدراته وخاصة الاقتصادية،فما أحوجنا اليوم الى دروس في الذاكرة والأمن والوجود.
.
لقد صار التسابق على التطبيع سمة العصر “وموضته” وربما سبب لانفراج جزئي لبعض الأزمات القطرية المفتعلة أصلا والتي يراها البعض أزمات ومع أن حلولها لا ترق الى تبادلها باتفاقيات هزيلة من الذل والعار والمهانة، ووالله ثم والله “لن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملتهم” ولن يجن من طبع معهم بهذه الطرق الفردية خيراً غير أن يغوص من الأخمص الى “قبوعة” الرأس في الوحل وعندها ربما يدرك أنه كان يطارد سرب من الوهم ويسير بل يركض في الطريق الخطأ وفي وسط وعمق السبخة المالحة وبدون سند أو مساند.
.
هذا المنشور ليس ضد سياسة التطبيع -التي انتهجها البعض- والتي قد تتحول الى تطبيع شامل مع كل الدول العربية وستكون حلا نهائيا وجذريا مؤقتا للصراع الذي طال أمده،فالتطبيع الذي يمكن تعريفه سطحيا حسب حدود الكلمة وهي فتح علاقات طبيعية مع العدو.
.
ان سياسة تأجيل الصراع مع العدو واستيعاب تحركاته بل المشاركة معه في تلك التحركات والتطلعات هي سياسة لا شك ناجحة، فالمقومات التي استند عليها هذا الخصم الشرس والتحالفات التي بناها هي في الواقع واهية لمن يدرك أعماقها وهي لن ترق أن تكون مقومات استراتيجية أمام واقع العدد السكاني وفعاليته حين ينهض من غفوته وكبوته ولا ترق الى البراح الجغرافي الواسع الذي يمكن أن يبتلع المغامرين.
.
ان تفتيت وتذويب الدهن أو السم المتركز في جزء واحد وتوزيعه على باقي الجسد قد يكون جزءا من الحل في القضاء عليه وفناءه بعد أُن أُُستنفذت جل الحلول وان وضع القطعة اللامعة في الظل قد يفقدها ذلك الدعم الكبير والبريق التي كانت تتلقاه في بؤرة الضوء ولنترك الكثير للزمن الكفيل بأن يأخذهم كما أخذنا من قبل.
.
والى أن نثق في قدراتنا وامكانياتنا التي نجهلها ووحدتنا التي غابت لهذه الأسباب فان سياسة التطبيع الجماعي وتجاهل العداوة واللعب على أوتار أخرى كالاقتصاد والتنمية ستكون هدية هذا الجيل الى الأجيال القادمة التي حتما وفي ظروف أخرى سيكون لها رأيا آخر وقولا آخر غير ما نرى وما نقول.
.

بقلم: بشير قنيدي

كاتب ليبي
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.